جلال الدين السيوطي

77

التحبير في علم التفسير

ثم لهم في الجمع مذهبان : أحدهما الجمع بالحرف بأن يشرع في القراءة ، فإذا مرّ بكلمة فيها خلف أعادها بمفردها حتى يستوفي ما فيها ، ثم يقف عليها إن صلحت للوقف ، وإلّا وصلها بآخر وجه حتى ينتهي إلى الوقف ، وإن كان الخلف يتعلّق بكلمتين كالمدّ المنفصل ، وقف على الثّانية واستوعب الخلاف وانتقل إلى ما بعدها وهذا مذهب المصريّين وهو أوثق في الاستيفاء وأخفّ على الأخذ لكنّه يخرج عن رونق القراءة وحسن التلاوة . الثّاني : الجمع بالوقف بأن يشرع بقراءة من قدّمه حتّى ينتهي إلى وقف ، ثم يعود إلى القارئ الذي بعده إلى ذلك الوقف ثمّ يعود وهكذا حتى يفرغ . وهذا مذهب الشاميين وهو أشدّ استحضارا وأشدّ استظهارا وأطول زمانا وأجود مكانا ، وكان بعضهم يجمع بالآية على هذا الرّسم وأما ترتيب القراءات فليس بشرط ولكن يستحبّ أن يبدأ بما بدأ به المؤلّفون في كتبهم فيبدأ بالقصر ، ثم بالمرتبة التي فوقه وهكذا إلى آخر مراتب المدّ . ويبدأ بالمشبع ثم بما دونه إلى القصر ، وإنما يسلك ذلك مع شيخ بارع عظيم الاستحضار ، أما غيره فيسلك معه ترتيب واحد ، وإذا انتقل القارئ إلى قراءة قبل إتمام ما قبلها لم يدعه الشّيخ بل يشير إليه بيده ، فإن لم يتفطّن قال له : لم تصل فإن لم يتفطّن سكت حتّى يتذكره ، فإن عجز قاله له . وأما القراءة بالتّلفيق وخلط قراءة بأخرى فأجازها أكثر القرّاء ومنعها قوم ، وقال ابن الصّلاح والنّووي : ينبغي أن يداوم على قراءة واحدة حتّى ينقضي ارتباط الكلام فإذا انقضى فله الانتقال إلى قراءة أخرى ، والأولى المداومة على تلك القراءة في ذلك المجلس قال ابن الجزريّ : والصّواب التّفصيل ، فإن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الأخرى منع ذلك منع تحريم كمن يقرأ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [ ( 2 ) البقرة : 37 ] برفعهما أو نصبهما ، آخذا رفع « آدم » من قراءة غير ابن كثير ، ورفع « كلمات » من قراءته ونحو ذلك مما لا يجوز في العربية واللّغة ، وما لم يكن كذلك فرّق فيه بين مقامن الرّواية وغيرها ، فإن كان على سبيل الرّواية حرم أيضا لأنه كذب في الرّواية وتخليط ، وإن كان على سبيل القراءة والتّلاوة جاز . وأما القراءات والرّوايات والطّرق والأوجه وسيأتي في النوع الآتي بيانها فليس للقارئ أن يدع منها شيئا أو يخلّ به ، فإنه خلل في إكمال الرّواية إلّا الأوجه فإنها على سبيل التخيير ، فأيّ وجه أتى به أجزأه في تلك الرواية .